٤- بُرهَانُ عَدَمِ الكَمَالِ الأَوَّلِ

رَأينَا فِيمَا سَبَقَ أنَّ مفهوم الإثباتِ فِي الرِّياضياتِ المَدرسيَّةِ -حَسبَ مَنظومَةِ بيانو – قَابِلٌ لِلتَّعريفِ دَاخلَ هَذه المَنظومةِ وَقَد كَانَ هَذَا هوَ السَّبَبَ الرَّئِيسِيَّ لاختِيَارِ جودل دِراسَتَهُ بَدَلاً عَن مَفهومِ الحَقيقَةِ التَّقلِيدِيّ.

كَمَا رَأَينَا أنَّ الدَّوالَ البَسيطَةَ تَمتَلِكُ دَائِماً بَراهينَ بَسيطَةً يُمكِنُ أَن تُبنَى  بِالاستِقراءِ من مَجموعَةٍ مِنَ البَرَاهِينِ الأَصغَرِ حَجماً وَيُعَبَّرُ عَنهَا بِتَعَابيرَ بَسيطةٍ كَذَلِك (نَظَرِيَّةُ رَقمَ 5) بَينَمَا يُمكِنُ إيجادُ نِقاطِ ارتِكازِ الدَّوالِ عَامَّةً (البَسيطَةِ مِنهَا وَغَيرِ البَسيطَةِ) باستِخدامِ التَّعابيرِ البُنيَويَّةِ السَّليمَةِ فَقَط وَدونَ الرُّجوعِ إلَى المَعَانِي (نَظَرِيَّةُ نُقطَةِ الارتِكَاز).

البَراهينُ البَسيطَةُ تَعنِي فِي الحَقيقَةِ وجودَ طَريقَةٍ (أَو خَوارِزمٍ) لِحَسِمِ الدالَّةِ:

إثبات(#س)=”يوجد(#ص) بِحَيثُ: برهان(#س,#ص)”

حِينَ تُمَثِّلُ “س” أَيَّ تَعبيرٍ مَنطِقِيّ مُتَعَلِّقٍ بِالصِفاتِ البَسيطَةِ لِلأَعدَادِ الطبيعيَّةِ.

مَا هيَ هَذِه الطَّريقَةُ إذاً ؟

لِنَقُل إنَّ:

م=(ت12,…,تن,…)

هِيَ مَجموعَةُ أكوَادِ التَّعابيرِ المَنطِقِيَّةِ الَّتِي تُمَثِّلُ بَرَاهِيناً وَالمُمكِنِ إنشَاؤهَا فِي مَنظومَةِ بيانو.

لَاشَكَّ أَنَّ “م” مَجموعَةٌ لِانِهائِيَّةٌ قَابِلَةٌ لِلعَدِّ: لَانِهائِيَّةٌ بِاعتبَارِ إمكانِيَّةِ تَطبيقِ قَواعِدِ الاستِنبَاطِ والرَّبطِ المَنطِقِيِّ عَلى تَعبيرٍ مُعَيَّنٍ لِأَيِّ عَدَدٍ مِنَ المَرَّاتِ وقَابِلَةٌ لِلعَدِّ باعتِبَارِ أنَّ فَرَضِيَّاتِ بيانو – المُنشِأَةَ لِهَذِه المَجموعَةِ – نِهَائيَّةٌ أَصلاً.

لِمُحاوَلَةِ حَسِمِ إثبات(#س) – بِشَكلٍ عَامٍ – يُمكِنُنَا مَثَلاً أَن نَقومَ بالتَّالِي:

خَوارِزم 1:

– نَتَصَفَّحَ كُلَّ عُنصُرٍ “ن” مِن المَجموعَةِ “م” وَنَتَأكَّدَ مِن تَحَقًّقِ برهان(#س, #ن) وَلَا نَتَوَقَّفُ حَتَّى نَجِدَ العُنصُرَ المَطلُوب  –

نُلاحِظُ أَنَّهُ لِتَنفيذِ خَوارزم-1 بِلُغَة بَرمَجَةٍ حَديثَةٍ سَنَحتاجُ إلَى أَمرِ التِّكرَارِ:

while

الَّذِي يُمَكِّنُنَا مِنَ الاستِمرَارِ فِي البَحثِ عَن “ن” حَتَّى نَجِدَه.

مِاذَا لَو لَم يَكُنْ هُناكَ إثبَاتٌ لِ”س” أَصلاً ؟

عِندَهَا لَن يَتَوَقَّفَ هَذا الخَوارزمُ العَامُّ أبداً ولَن نَستَطيعَ مَعرفَةَ سَبَبِ عَدَمِ تَوَقُّفِهِ لِأنَّنَا لَا نَعرِفُ – مُسبَقاً – هَل ل”س” بُرهَانٌ أَم لَا.

هَل يُمكِنُنَا تَعديلَ الخَوارزمِ بِشَكلٍ يَبحَثُ فِيهِ مَثَلاً – لِأَيِّ “س” وَلِلعُنُصرِ “ن” من “م” – عَن تَحَقُّقِ:

برهان(#س, #ن) أَو برهان(عكس(#س, #ن))

هَذَا التَّعديِلُ يُبقِينَا فِي دَائِرَةٍ مُفرَغَةٍ لِأنَّهُ يَفتَرِضُ الكَمَالَ الاستِنبَاطِيَّ الَّذِي نَحنُ بِصِدَدِ دِراسَتِهِ أصلاً.

بِالتَّالِي : لَا يُمكِنُ حَسمُ إثبات(#س) بِاستِخدامِ “خوارزم-1” لَا بِالنِّسبَةِ لِلدَّوَالِ البَسيطَةِ ولَا بِالنِّسبَةِ لِغَيرِهَا.

كَيفَ حَلَّ جودل هَذهِ الإشكَالِيَّةَ إذاً ؟

بِالرُجُوعِ إلَى نَظَرِيَّتِهِ الخَامِسَةِ نُلاحِظُ أَنَّهُ لَا يَحتَاجُ إلَى “البَحثِ” عَن بَراهينَ لِتعابِيرِ الدَّوالِ البَسيطَةِ اعتِمَاداً عَلى أنَّهُ بَيَّنَ قَبلَ ذَلِكَ بالاستِقرَاءِ الكَامِلِ كَيفَ يُمكِنُ بِنَاءُ أَيِ تَعبيرٍ بَسيطٍ “س” مُعَبِّرٍ عَن دَالَةٍ بَسيطَةٍ “د” مِن عَنَاصِرِهِ الأَوَّلِيَّة.

فَإن جَمَعنَا الخُطُواتِ اللَّازِمَةِ لِبِنَاءِ “س” فِي مُتَوَالِيّةٍ: “ص” فَإنَّ هَذهِ الخُطُواتِ بِذَاتِهَا تُكَوِّنُ بُرهَاناً وَنَعلَمُ أنَّ برهان(#س,#ص) هِيَ دَالَّةٌ بَسيطَةٌ يُمكِنُ حِسابُهَا كَمَا سَبَقَ أَن ذَكَرنَا.

مِن نَاحِيَةٍ أُخرَى يُمكِنُنا أَن نُنَفِّذَ برهان(#س,#ص) فِي لُغاتِ البَرمَجَةِ الحَديثَةِ بِأوامرَ التِّكرَار:

For

بِنَاءً عَلى مَعرِفَتِنَا المُسبَقَةِ بِطُولِ “س” وبالتَّالِي طُولِ بُرهَانِهَا “ص” المَحدودِ دَائمَا.

مَاذَا عَن مَفهومِ : “الإثبَاتِ” نَفسِهِ والَّذِي نَحتَاجُهُ لإنشَاءِ الجُّملَةِ:

ج=”لَا يُمكِنُ إثباتُ الجُملَةِ المُكَوَّدَةِ #ج فِي مَنظومَةِ بيانو”

 هَل هوَ بَسيطٌ أيضاً فَنَقُومَ بِوَضعِ ع=”إثبات()” فِي الشِقِّ السَّلبِيِّ مِنَ النَّظَرِيَّةِ الخَامِسَةِ:

عكس(ع(#س1,#س2,..#سن))>إثبات(عكس(ت(#س1,#س2,..#سن)))

لِيُصبِحَ لَدَينَا إثبَاتٌ لِ”عَدَمِ إمكَانِيَّةِ الإثبَاتِ” لِلجُملَةِ “ج” ؟

لَو كَانَ هَذَا مُمكِناً لَتَمَكَّنَّا إذاً مِن حَسمِ “إثبات(#س)” بِاستِخدامِ خَوارِزم-1 وَهوَ مَارَأينَا – لِلتَّو – استِحَالَتَهُ.

مَفهومُ “الإثبَاتِ” نَفسُهُ لَا تَنطَبِقُ عَليهِ النَّظَرِيَّةُ الخَامِسَةُ وَسَنَفهَمُ حَالاً أنّ السَبَب يَكمُنُ فِي وُجودِ تَعابيرَ سَليمَةٍ لَا يُمكِنُ أَن يَكونَ لَهَا بَراهينُ فَليسَ كُلُّ تَعبيرٍ سَليمٍ مُعَبَّراً بالضَّرورَةِ عَن دَالَّةٍ قَابِلَةٍ لِلحِسَاب.

لِحُسنِ الحَظِّ تَمَكَّنَّا مِن بِنَاءِ الجُّملَةِ “ج” بِشَكلٍ بُنيَويٍّ سَليمٍ وَبَسيطٍ بِاستِخدامِ نَظَرِيَّةِ نُقطَةِ الارتِكازِ كَمَا رَأيَنَا فِي المَقطَعِ السَّابِق وَأَصبَحنَا الآنَ مُستَعِدِّينَ لِبُرهانِ نَظَرِيَّةِ عَدَمِ الكَمَالِ الأُولَى:

“إذَا كَانَتْ مَنظومَةُ بيانو -ظ- غَيرَ مُتَنَاقِضَةٍ مَنطِقِياً فِإنَّهُ لَابُدَّ مِن وُجودِ تَعبيرٍ سَليمٍ -ت- بِحَيثُ:

| ت) و(ظ | عكس(ت))

أَي أَنَّ – ت – مُستَقِلٌّ عن – ظ – ولَايُمكِنُ إثبَاتُهُ وَلَا نَقضُهُ باستِخدامِ قَواعِدِ الاستِنبَاطِ في  – ظ -“

البُرهان:

بِمَا أَنَّ “ظ” غَيرُ مُتَنَاقِضٍ فَإنَّهُ لَا يُمكِنُنَا استِخدامَ نَظَرِيَّةِ نِقاطِ الارتِكازِ لإنشَاءَ “ج” و”ج~” (أي عكس(ج)) فِي نَفسِ الوَقت.

لِتَكُن ت=ج.

سَنَفتَرِضَ أَنَّهُ يُمكِنُنَا استِنبَاطَ “ج” فِي “ظ” (أَي أَنَّ: (ظ | ج)).

هَذَا مَعنَاه أنَّه لَدينَا بُرهانٌ “ب” عَلى “ج”. لَكِنَّ “ج” تُصَرِّحُ بِعَدَمِ وُجودِ بَراهينَ عَلَى “ج” أصلاً فَيَكونُ “ب” بُرهَانٌ عَلى مَقولَةٍ مَنطِقِيَّةٍ خَاطِئة. تَنَاقُض. بِالتَّالِي: لَا يُمكِنُ استِنبَاطُ “ج” فِي “ظ”(أَي: (ظ | ج)).

هَل يُمكِنُ استِنبَاطُ “ج~” فِي “ظ” (أي: (ظ | ج~)) ؟

هَذَا مَعنَاهُ وُجودُ بُرهَانٍ “ب” يُثبِتُ “ج~” أَي أَنَّهُ يُثبِتُ وُجودَ بُرهَانٍ لِ”ج” التي تَدَّعِي عَدَمَ وُجودَ بَراهينَ لَها.  “ب” يُثبِتُ إذاً مَقولَةً مَنطقِيَّةً خَاطِئةً. تَنَاقُض. إذاً لَا يُمكِنُ استِنبَاطِ “ج~” فِي “ظ” أيضاً (أَي أنَّ: (ظ | ج~)).

(نِهايَةُ البُرهَان)

1 Shares:
Leave a Reply

Your email address will not be published.